زواج القاصرات بين الشرع والقانون والعرف الاجتماعي

دخل زواج القاصرات في اليمن حيز الجدل الإيجابي وذلك بعد عرضه على مائدة رجال دين وقانون في ندوة أعدت لها منظمة سياج لحماية الطفولة اليوم الثلاثاء 28 أبريل 2008م، أكد فيها المشاركون على خطورة زواج القاصرات صحيا واقتصاديا واجتماعيا، منتقدين في نفس الوقت قانون الأحوال الشخصية الذي لم يحدد حتى اللحظة سنا للزواج، داعين بإجراء تعديل على نص المادة القانونية رقم(15) من قانون الأحوال الشخصية التي تعطي الحق لولي الأمر في تزويج الصغار ذكرا أو أنثى دون التقييد بسن محدد، ليضمن المادة بعد تعديلها تحديد سن قانونية لايجوز دونها تزويج الصغير ذكرا كان أو أنثى دون بلوغهما سن الثامنة عشرة، وإضافة مادة تنص على معاقبة كل شخص خوله القانون سلطة عقد الزواج.

أما المذاهب الدينية في اليمن (الشافعية والزبدية) فأجمعت على عدم جواز تزويج القاصرة، واصفة ذلك بالكارثة والمخالف للشرع كما أكد على ذلك كل من أستاذ الشريعة في جامعة صنعاء (الدكتور حسن مقبول الأهدل) والدكتور( مرتضى زيد المحطوري) اللذين استضافتهما منظمة سياج ليتحدثا عن رأي الشرع في زواج القاصرات، مشيرن إلى عدم صحة عقد الزواج للصغيرة وعدم إجبارها في نفس الوقت على الزواج دون وصولها سن التكليف وهو سن البلوغ.

فالدكتور الأهدل وهو يشغل منصب نائب ئيس جامعة صنعاء للدراسات العليا استعرض جوانب من الأحكام في المذاهب الأربعة فيما يخص زواج القاصرات، مؤكدا إجماع المذاهب الأربعة على عدم جواز إجبار الصغيرة على الزواج إلا لمصلحة، لكنه أشار إلى مخالفة الإمام أحمد لذلك الإجماع، منوها إلى رأيه في زواج القاصرات والذي يرى فيه الإمام أحمد بزواج القاصرات وتخييرها عند بلوغها بين الزواج وعدمه.

وفيما أوضح أستاذ الشريعة في جامعة صنعاء عن دوران الشرع مع المصلحة وتكيف أحكامه مع الزمان والمكان، وصف الدكتور المرتضى وهو من فقهاء الزيدية زواج الصغيرة كارثة، مشيرا إلى حاجته إلى ثورة مثل ثورة الرسول ضد وأد البنات، مفتيا ببطلان زواج القاصرات ووصفه بالظلم.

المحطوري استعرض مجموعة من الأحاديث ذات علاقة بالمرأة مثل حديث ( النساء ناقصات عقل ودين) لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، مشيرا إلى ضعفها وتعارضها مع المنطق، داعيا إلى مراجعة ونقد ذلك التراث، وهو مادعى الأهدل للتعقيب عليه، مشيرا إلى ثبوت تلك الأحاديث في صحيح مسلم، لكنه اعتبرا ما ذهب إليه المحطوري رأيا واجتهادا خاصا به، مؤكدا موافقته على عدم جواز الصغيرة إلا بعد بلوغها.

من جانبه انتقد محامون في ندوة سياج الأولى قانون الأحوال الشخصية لعدم تحديده السن القانونية للزواج، مشيرين إلى اكتفاءه بتقييد الزواج بصلاحية المرأة للوطء كمال قال المحامي ( علي أحمد العاصي) الذي اعتبر ذلك مخالفا للقانون السابق رقم 3 لسنة 1987م الذي نص على أن” عقد الولي للصغيرة صحيح شريطة موافقتها عند الزفاف ولايجوز الخلو بها ولازفافتها ولا الدخول بها إلا إذا بلغت سنا لاتقل عن ستة عشر سنة هجرية على أن تكون صالحة للوطء”، مضيفا إلى ذلك تحديد عقوبة بالحبس لمدة لاتزيد لاتقل عن سنة ولاتزيد عن ثلاث سنوات لمن يخالف أحكام المادة وتغريمه أرش، مشيرا إلى خلوا المادة الحالية في قانون الأحوال الشخصية من أي نص للعقوبة.

ودعا العاصي إلى ضرورة تدخل المشرع اليمني في تحديد سن الزواج ووضع نص قانوي يجرم أولياء الأمور اللذين يقومون بإبرام عقود زواج بناتهم دون السن القانونية وتطبيق عقوبات رادعة على الزوج ووالد الزوجة الصغيرة والقائم بكتابة عقد الزواج ، مقترحا تحديد 16 سنة للزواج كحد أدنى.

من جانبه تحدث المحامي ( فيصل المجيدي) عن مؤاخذات على قانون الأحوال الشخصية حددها ، منها عدم تحديده لماهية الصلاحية التي اشترطها المادة الـ15 في القانون للزواج المرأة وذلك عندما قال ” بصلاحيتها للوطء”، إضافة إلى عدم ذكره للوسيلة التي تتبين بها الصلاحية.

واستغرب المجيدي من إجازة النص للعقد ومنع الوطء إلا بالصلاحية المجهولة ، متكهنا بتفرقة سماها بالخفية في النص بين عقد الصغيرة والعقد للصغير، حيث صححت المادة العقد بالصغيرة مطلقا ومنعه للصغير.

أما المستشارة الإعلامية بمنظمة أوكسفام ( منى صفوان) والتي تحدثت عن العرف الإجتماعي في زواج القاصرات، ففسرت تواطؤ العرف مع زواج القاصرات بأن ذلك من قبيل أن ” الزواج يعين الشرف للفتاة .. وخوف أولياءها من حصول ” أشياء قد تحدث إن هم تساهلوا في زواج ابنتهم القاصرة”، لكنها اعتبرت الحديث عن العرف الإجتماعي في مسألة زواج القاصرات يتم في إطار منظمومة متكاملة يتداخل فيهالا التاريخي بأبعاده المختلة من فكري واقتصادي وسياسي وفلسفي وديني، مشيرة إلى سهولة انتقاد العرف بتقاليده وثقافته التي تتغير مع طبيعة كل عصر، مشيرة إلى أن الحديث عن زواج القاصرات لم يعد حديثا أسريا خاصا وإنما موضوع يتعلق بالتنمية العامة والإقتصاد والسياسة والدين.

ممثل منظمة اليونيسيف (نسيم ) والذي بارك في بدء حديثه لمنظمة سياج على باكورة نشاطها، أشار إلى تعارض الزواج المبكر مع حقوق الطفل، منوها في حديثه الذي غلبت عليه العجمية، إلى أهمية اشتراط القبول من قبل المرأة للزواج في الإسلام.

وأوضح ممثل اليونيسف في اليمن عن عدد نصيب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حالات الزواج المبكر والتي تقدر مابين ¾ مليون من إجمالي 60 مليون حالة على المستوى العالمي، مشددا على أهمية تنفيذ حملات إعلامية للتوعية بمخاطر الزواج المبكر.

وكان الدكتور ( عبد الله الكامل) قد تحدث عن الأضرار الصحية الناجمة عن الزواج المبكر، مشيرا إلى جملة من تلك الأضرار الصحية منها عدم قدرة المرأة على الإنجاب بشكل سليم بدون مشكلات متوقعة لحملها وإصابتها بمرض سرطان الثدي وتشوهات تصيب الأجنة عند الأم الصغيرة أكثر بكثير من التشوهات عند الأم الراشدة أي البالغة لسن 18 عام، إ1ضافة إلى إصابتها إصابتها بنقص الكلس وترقق العظام فيما بعد.

ولفت الدكتور الكامل إلى حالات نفسية واجتماعية تنتج عن الزوج، حيث قال إن “الدراسات كشفت أن الفتيات اللاتي تزوجن مبكراً لم يستطعن التكيف عاطفياً مع أزواجهن في السنوات الأولى للزواج؛ حيث تشير بعض الفتيات أن زواجهن كان أشبه بالشراكة الوظيفية، أكثر من كونه شراكة عاطفية، فضلاً عن ذلك فإن زواجهن في سن مبكر حرمهن من تعلم مهارات الحياة بشكلٍ عام، سواء في مجال العناية بالأسرة، والزوج والأطفال، أو بالتعامل مع محيطهن الاجتماعي مما يلجئ كثير منها إلى الطلاق بعد فترة قصيرة من زواجها.

الكامل أشار إلى ارتفاع نسبة الأمية بين المتزوجات مبكرا الى أكثر من 43 في المائة وتمثل نسبة الحالات الزوجية المبكرة في اليمن لطفلات في عمر الزهور يجدن انفسهن في القفص الزوجي لتشكل 65% منها 70% في المناطق الريفية النائية و35% بالنسبة للمدن.الكامل لفت إلى الفجوة العُمرية الكبيرة بين الزوجين، تصل في بعض الاحيان الى حالات يكبر فيها الزوج زوجته بـ56 سنة، مشيرا وفي إطار حديثه عن الأسباب التي تدعو إلى زواج الصغيرات إلى أن الفقر هو السبب الأول للزواج المبكر، فيما تأتي المعتقدات والاتجاهات التي تؤكد على قيم العفاف والطهر في المرتبة الثانية من الأسباب.

وأشار الكامل إلى أهمية تعليم الفتاة في تقليله من ظاهرة الزواج المبكر، موضحا أنه كلما ارتفع المستوى التعليمي للمرأة، كلما أدى إلى تأخير سن الزواج لديها، ملفتا في نفس الوقت إلى ارتفاع نسبة الأمية بين المتزوجات مبكرا الى أكثر من 43 في المائة، تأتي النسبة الأكثر منهن في 70% في المناطق الريفية النائية و35% بالنسبة للمدن موضحا في اتجاه آخر أن من أهم أسباب التسرب من التعليم الأساسي للأسر الفقيرة وغير الفقيرة على مستوى الجمهورية ترك الدراسة من أجل الزواج؛ حيث بلغة نسبة ترك الدراسة من أجل الزواج في الأسر الفقيرة (1.9)% للذكور و(2.4)% للإناث، وفي الأسر غير الفقيرة (2.8)% للذكور، و(0.4)% للإناث وذلك بحسب دراسات مسح ظاهرة الفقر في المجتمع اليمني للعام (1999م